“عادات راسخة ام خطر صحي؟..ملف زواج الأقارب في العراق”

يعد زواج الأقارب من الظواهر الاجتماعية الراسخة في كثير من المجتمعات، ولا سيما داخل البيوت العراقية حيث تتشابك الروابط العائلية وتتوارث الأجيال العادات والتقاليد خلف هذا العرف الموروث حقائق مؤلمة، إذ حمل في طياته مخاطر صحية جسيمة تثقل كاهل الأطفال الذين لا يرثون اسم العائلة فحسب بل يرثون معها امراض وراثية واعباء صحية مستمرة
حيث اشارت الدراسات الحديثة في بغداد إلى أن معدل زواج الأقارب بلغ 44%، في حين سجل في محافظة النجف الأشرف نسبة مرتفعة وصلت إلى 78%، وهي أعلى بكثير من المتوسط الوطني.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي وجوه وقصص لأطفال ونساء ورجال يعيشون يوميًا آثار تلك القرارات الأسرية .

“من الموروث الشعبي الى الخطر الطبي”

في هذا السياق أكد الدكتور وائل بن وجيه الراوي استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة في مستشفى الرمادي التعليمي للنسائية والأطفال ، ان الزواج بين الأقارب من الدرجة الأولى، مثل ابن العم او ابنة الخال يزيد بشكل ملحوظ من احتمالية انتقال الأمراض الوراثية الى الأبناء واوضح ان هذه الاحتمالية تتأثر بمدى وجود أمراض مزمنة في العائلة مشيرًا إلى ان الأقارب من الدرجة الأولى يكونون اكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات الوراثية مقارنة بالزواج من اشخاص بعيدين القرابة.

وأشار الدكتور الراوي إلى ان بعض الأمراض الوراثية تنتقل بشكل متنحي بمعنى ان الأب او الأم قد يكون حاملًا للمرض دون ظهور اعراض عليه وفي هذه الحالة يكون احتمال إصابة الطفل 25% لكل حمل بينما يكون احتمال ان يكون الطفل حاملًا للمرض نفسه 50% اما إذا كان أحد الوالدين مصابًا بالمرض فقد تصل احتمالية إصابة الطفل الى 50%.

واضاف ان العراق يعاني من تأخر نسبي في برامج الكشف الوراثي مقارنة بالدول الأخرى مثل السعودية ودبي والإمارات والكويت التي توفر فحوصًا وراثية شاملة على مستوى الدولة واوضح انه بدأ خطوات مهمة في هذا المجال حيث افتتح الراوي مركز متخصص بالأمراض الوراثية النادرة في الأنبار بالتعاون مع شركات متعاقدة مع وزارة الصحة لتوفير عينات مجانية للفحوص الوراثية وان كان المركز لا يشمل جميع الأمراض الوراثية.

وشدد الدكتور الراوي على اهمية التوعية المجتمعية حول زواج الأقارب وأثره على صحة الأطفال مشيرًا الى ان التحدي الأكبر يكمن في الثقافة والوعي الصحي لدى المواطنين خاصة في المناطق الريفية الى جانب العادات والتقاليد التي قد تعرقل الالتزام بالإرشادات الطبية واكد على ضرورة وجود برامج حكومية شاملة لتثقيف الناس وإلزام الأزواج بإجراء الفحوص قبل الزواج كما هو معمول به في الدول المتقدمة إقليميًا ودوليًا.

“امراض وراثية تنتشر بصمت”

وذكرت الدكتورة نورا عادل مختصة في الوراثة الجزيئية البشرية ان زواج الأقارب يزيد من احتمال انتقال الأمراض الوراثية نتيجة ارتفاع فرص اجتماع نسختين من الجين المعيب موضحة ان هذا الخطر يتضاعف من مرتين الى ثلاث مرات مقارنة بزواج غير الأقارب.

وبينت ان الدراسات العراقية أظهرت نسبًا مرتفعة لانتشار الأمراض الوراثية بين أبناء الأقارب إذ سجل الباحثون في البصرة أن 11.5% من السكان يحملون طفرة بيتا-ثلاسيميا وفي النجف بلغت نسبة المصابين بنقص انزيم G6PD نحو 12.5% كما أظهرت دراسة ان 78.7% من حالات اضطرابات الدم الوراثية تعود لأطفال أبائهم متزوجون من أقارب.

وفي محافظة الأنبار بينت دراسة اجريت في مستشفى الرمادي ان 78% من الأطفال المصابين بأمراض قلب خلقية هم من أبناء الأقارب مقابل 43.3% فقط في مجموعة غير الأقارب وفي السليمانية لوحظ ارتباط واضح بين زواج الأقارب وارتفاع متلازمة داون، وشق الشفة والحنك، وامراض القلب الخلقية

واضافت ان بعض الدراسات وثقت جميع الأطفال المصابين بالسكري المتلازمي كانوا من آباء أقارب، إضافة الى ان نصف حالات السكري الولادي كانت لأبناء أقارب من الدرجة الأولى ،واكدت ان الفحوصات الوراثية قبل الزواج قادرة على التقليل وان لم تلغ تمامًا احتمالية الإصابة لكن ما يطبق في العراق حاليًا يقتصر على فحوصات محدودة مثل الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي فيما تبقى معظم الفحوصات الأخرى اختيارية بسبب غياب الإلزام القانوني وضعف الوعي المجتمعي

“بين الطفولة والوراثة”

من جانبها اشارت الناشطة مينه تحرير ورئيسة منظمة أمنية الإنسانية الى ان المنظمة ترعى نحو 400 طفل
يعانون من امراض وراثية نادرة من مختلف محافظات العراق بينها العظم الزجاجي، والتليف الكيسي، والسرطان، والثلاسيميا، وجميعها تعود في كثير من الحالات الى طفرات جينية ناجمة عن زواج الأقارب وشهدت المنظمة حالة جديدة لطفلة صغيرة تكافح الحياة بثلاثة أمراض وراثية دفعة واحدة عظم زجاجي هش يكسرها بسهولة، ثلاسيميا تجبرها على معاناة دائمة، وفقدان للسمع والنطق يحرمها من ابسط حقوق التواصل، هي واحدة من الكثير الذين دفعوا ثمن هذا الزواج الذي ينقل جينات الخطر عبر الأجيال لعقود

واوضحت تحرير ان فريق المنظمة يتعامل مع الأطفال بأسلوب ترفيهي يخفف من آلامهم الى جانب تقديم جلسات رعاية وتأهيل نفسي وورشات توعوية لأهالي الاطفال عن كيفية التعامل معهم
واكدت ان المنظمة تطالب بإجراءات وقائية وبرامج توعية شاملة حول الأمراض الوراثية ومخاطر زواج الأقارب لكنها تواجه تحديات عدة منها صعوبة الحصول على الموافقات القانونية وتأمين العلاجات وتوفير الدعم المادي لتغطية تكاليف العلاج

واضافت ان معظم العائلات لا تتعظ من التجارب السابقة إذ تسجل في بعض الأسر حالتان او اكثر من الأمراض الوراثية دون الاستجابة لدعوات التوقف عن زواج الأقارب واعتبرت ان معالجة هذه الظاهرة تحتاج إلى تدخل قانوني او عشائري او حتى إصدار فتاوى دينية تمنع زواج حاملي الأمراض الوراثية والجينات الوبائية بلأضافة الى ضرورة التثقيف حول الفحص والتحليل ما قبل الزواج.

“خطوة نحو الوقاية المبكرة”

واكدت مها حسين مدربة التنمية المبكرة ان الأمراض الوراثية الناتجة عن زواج الأقارب تؤثر على معدل نمو الأطفال في السنوات الخمس الأولى خاصة على الجهاز العصبي الدماغ والعضلات وأشارت الو ان هذه الاضطرابات تظهر في تأخر النطق وصعوبة التواصل اضافة الى ضعف التركيز وانخفاض مستوى الذكاء عن الحد الاعتيادي

واشارت الى ابرز التحديات التي تواجه هؤلاء الأطفال والتي تتضمن صعوبة النطق وضعف اكتساب المهارات، البيئة غير الداعمة، سوء التغذية، صعوبة العلاقات الاجتماعية، وتأخر المهارات الحركية، كما شددت على خطورة التنمر الذي قد يتعرض له الطفل في المدرسة او الشارع او حتى داخل العائلة، موضحةً ان دور الأهل في هكذا حالات يجب ان يكون استثنائي في تقديم الدعم النفسي وتعزيز الثقة بالنفس من خلال إشراك الطفل في انشطة بسيطة ومدحه لزيادة شعوره بالاستقلالية وعدم النقص.

واكدت حسين ان التدخل والتشخيص المبكر له دور محوري في علاج او التخفيف من شدة الأمراض الوراثية قبل ان تتطور وتسبب مضاعفات خطيرة وذكرت ان برنامج “تنمية الطفولة المبكرة” الذي استحدث في العراق عام 2023 يعد من البرامج المهمة التي تتابع تطور الطفل من فترة الحمل حتى سن المدرسة بما يساعد على اكتشاف الأمراض الوراثية مبكرًا.

وختمت حسين حديثها بالتأكيد على اهمية نشر الوعي عبر المراكز الصحية والتعاون مع أطباء الأطفال واستخدام منصات التواصل الاجتماعي لتقديم مواد توعوية إضافة الى تشجيع الأهل على تطبيق انشطة تنموية للأطفال مثل الألعاب الحسية البطاقات التعليمية البازل، اللعب بالماء او الرمل، قراءة القصص، وكرة القدم، لما لها من أثر كبير في التطور الحسي والحركي واللغوي للطفل.

تقرير : موج اياد

شارك عبر المنصات التالية

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Scroll to Top